محمد جواد مغنية

513

في ظلال نهج البلاغة

مزقت كل ممزق ، ولاقوا من آثارها كل ذل وهوان . . إلى اليوم ، والى آخر يوم . . إلا أن يشاء اللَّه . ( ولا يحمل هذا العلم - بفتح اللام - إلا أهل البصر والصبر ) على الجهاد . وقد تكلم الفقهاء عن حكم من شق عصا المسلمين ، وأفردوا لهم في كتبهم بابا مستقلا بعنوان « قتال أهل البغي » واتفقوا على وجوب قتالهم حتى يفيئوا إلى أمر اللَّه ، لقوله تعالى : * ( « فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي ) * إلخ » . . وقول الرسول ( ص ) : من خرج على أمتي وهم جمع فاضربوا عنقه كائنا من كان . وقال الإمام : لا يجوز قتالهم إلا لأهل « العلم بمواضع الحق » لأن الباغي يقول : لا إله إلا اللَّه محمد رسول اللَّه ، ومن قالها فدمه وماله وعرضه حرام إلا بمبرر قاطع ، وهو دفع الضرر الأشد بالضرر الأخف ، وقديما قيل : « وفي الشر منجاة حيث لا ينجيك إحسان » وفي قوله تعالى : * ( « وما لَكُمْ أَلَّا » ) * غنى عن كل قول . ومن البداهة ان تحديد الشر ، وتحديد الإحسان الذي يمكن أن يدفع به الشر ، ثم الموازنة بين الشر الأشد ، والأخف ، كل ذلك يحتاج إلى العلم والمقدرة على التمييز والتنفيذ . والإمام أعرف الناس بذلك ، وبالدين وشريعته بعد سيد الكونين . ونقل المؤرخون ان الإمام كان يسأل الثائرين عليه ، ويقول لهم : ما ذا تنقمون . فإن ذكروا شبهة نظر فيها بصدق وإخلاص ، وان ذكروا علة أزاحها . ونقل عن الشافعي أنه قال : لولا علي ما عرفنا أحكام أهل البغي . وبعد أن استفرغ الإمام كل وسيلة لرجوع أهل البغي عن بغيهم ، ويأسه منهم ، قال لأصحابه : ( فامضوا لما تؤمرون به ) من القتال ( وقفوا عندما تنهون عنه ) من قتل المدبر والإجهاز على الجريح ، وإزعاج النساء والأطفال ( ولا تعجلوا في أمر إلخ ) . . لا تعملوا بالرأي والاجتهاد ، فقد يكون الرشد في خلاف ما ترون ، وإن رأى أحدكم رأيا في شيء من الحرب وتوابعها ، فليعرضه عليّ ، فإن لي كل الحق أن أغيّر وأعدل من آرائكم على أساس الشرع والمصلحة .